ما هي صعوبة أن تصنع فيلماً تسجيلياً ؟ أعرف انك في المستشفى حالياً مصاباً بأحد الامراض اللعينة و انك في الاغلب لن تقرأ حرفاً مما أكتب... فانك لم تقرأ أبداً أي حرف مما كتبته. و لكن أعلم ان هذه النصائح قد تفيدك اذا خرجت سالماً...
اعترف ان هناك عدة صعوبات لا يرتبط أي منها بالجزء الانتاجي فكل الصعوبات هي صعوبات نفسية في المقام الأول.
أقصد بالصعوبات النفسية أي الامور التي لا ترتبط بسير العمل الانتاجي بقدر ما تعتمد على الجزء الابداعي و هو الوقود المحرك للعمل في الفيلم التسجيلي و بدون مقدمات مملة فما أبغيه الوصول اليه بطريقة أو بأخرى هو جملة بسيطة لن تزيد أهميتها بوضع المقدمات قبلها و هي انك حينما تصنع فيلماً تسجيلياً فانك تحصل على المصدقية بالمجان. و كل شيء تصوره يكون صادقاً و مثقلاً بالمعاني حتى اذا صورت شخص يعطس. ذلك هو أمر حتمي و بهذه البديهية. انها جائزتك و حقك المكتسب اذا كنت فقط واضحاً في الجزء الأول و هو انك تريد حقاً أن تصنع فيلماً تسجيلياً فتحصل بذلك على كل ما ينقصك... بالمجان.
و لكن تلك الصعوبات المختصة بالجزء الأول من الجملة ليست المقصود منها بالضرورة ان تكون "صعوبات " بحرفية الكلمة بل يمكنك الا تشغل بالك بها اذا كان الصدق جزء من طبيعتك و اذا لم يكن فحينها تكمن الصعوبة و هذا ما يجب أن تعمل عليه قبل التفكير في طريقة الانتاج، لانه في هذه الحالة لن تجني سوى مئات من المواد السمعية و البصرية التي لن تجد لها رابط يجمع بينها سوى كلامك الدائم عن وجودها في مكتبك اثناء جلوسك على مقهى ثقافي بوسط البلد في ظهيرة شديدة الحرارة.
فان كان ذلك ما تريده فلا تحصل في تلك الحالة على الهبات المجانية.
فكر أولاً ما هو الفيلم التسجيلي و ثانياً لماذا تريد أنت بالذات عمل هذا الفيلم في هذه اللحظة بالذات ؟
حقيقة الفيلم التسجيلي التي لا تعرفها ليست مجرد تسجيل حياة شخص أو حدث أو حقبة أو ظاهرة أو موضوع أو طبيعة... ليس كل هذا كما تظن. لا أحد يريد ان يخلد ذكرى شخص ما أو يوجه اهتمامك لشيء ما مهما تكلم بشأن تلك الأمور ... اذا ظننت ان هذا هدفك اثناء صناعة الفيلم فإعلم انك كاذب.
ان المادة التسجيلية لابد أن ترتبط ببعض خواص مؤرخها و تصويرك لمشهد ما هو جزء من ذاتك لم تفهمه بعد لذا لم تستطع كتابته مسبقاً و انما قمت بتصويره ففهمته.
كلنا نسعى الى المجد الشخصي، أن نولي لنفسنا قدر من الذكاء و الحكمة أو أي شيء أخر للحصول على تقدير، و ليس في أي من هذا ما يعيب و انما المعيب فعلاً ان تستغل حياة شخص اخر لتضيف مجداً زائفاً الى شخصك فتكون بذلك في خسة مصور فوتوغرافي ماهر يلتقط الصور الطبيعية الجذابة ثم ينسب كل العبقرية و الفضل الى نفسه.
لماذا تلتقط صورة فوتوغرافية لطفل يلعب و لماذا تصنع فيلماً تسجيلياً عن فؤاد قاعود أو عن غيره ؟
انتقل من هذا السؤال الى أمر بعيد بعض الشيء. عندما سُئل نيك كايف nick cave عن الكلمات التي يكتبها في اغانيه، فقد اعدها البعض ان بها شيء من الرمزية أو ثقل معين لا يعرف سره خاصة أن كل أغانيه هي عبارة عن وصف لمشاهد و حياه أشخاص بعينهم و الكثير من الاسماء و الاحداث و الحوارات و جمل على ألسنة قائليها في ظروف معينة لا تعني شيئاً الا في مكانها... لماذا يكتب شخص مثل nick cave هذه الكلمات و يعد من أفضل كاتبي الاغاني فأجاب حينها قائلاً ان للكتابة نوعان... هناك الشخص الذي يشاهد الحياه و ما فيها بعين مراقبة عليا ثم يكتب ملاحظاته و استنتجاته في كتاباته و هناك شخص يكتب ما يراه ثم يبحث فيه عن معنى... هكذا كانت اجابة nick cave .
لا يعني ذلك ان هناك اسلوب كتابة أفضل من الاخر و لكنهما مراحل مختلفة من الابصار و الاستنتاج فقد يصل شخصان لنتيجة واحدة و مبادئ واحدة بينما يختلفا عن بعضهما كلياً فأحدهم يرى أن الاستنتاج هو المهم بينما الاخر يهتم بمرحلة الابصار.
في الابصار تكمن اللذه و في الفيلم التسجيلي أو في الصور الفوتوغرافية التسجيلية ينحصر الجزء الامتع في الحياه كامناً في الابصار. ان الفيلم التسجيلي ليس الغرض منه عرض نتائج معروفة مسبقاً بل انه يصبح كاذباً و مخالفاً لقواعده الاولى اذا كان الغرض منه اثبات شيء ما. انه البحث كما يجب البحث ان يكون. هو عمل بصري قد يتبعه استنتاج و قد لا يتبعه فليس هذا بالامر الهام دائماً.
بالطبع لا أقصد أن الفيلم التسجيلي يجب أن يكون بلا استنتاج لأني اعرف اتهامك المسبق و لكنه لا يجب بالطبع ان يكون الاستنتاج مفترض قبل البدء في العمل، فلما اذن تصنع الفيلم من الاساس لذا لم يكن بغرض الوصول لشيء ما. و اذا كانت ابسط الصور ذات نظريات موضوعة لها مقدماً فهي تصبح كيتش و تقليد لنظريات سبق الوصول اليها.
لهذا فمن النقاط الهامة عند الترتيب لعمل فيلم تسجيلي ألا تكثر في الترتيب. الترتيب لعمل فيلم تسجيلي يستلزم قدر معين من النظام، اذا قللت منه لن تعرف مقصدك من العمل و اذا اكثرت منه فانه يقيدك و يرسم لك طريقاً محدداً لن ترى غيره مهما كانت عواقب طريقك و وضوح الحقائق بجانبك في الطرق الاخرى و في هذه الحالة فهو ليس بحثاً و لكن اقرب ليكون سباقاً. في الحالة الاولى تسيرك النزوات بلا هدف فتصور البهائم المستحمة في النهر في فيلم عن تكنولوجيا الاتصالات و في الحالة الثانية تقيدك العقلانية فلا ترى المثير و هو أمامك كمعظم مشاريعك التي بقيت أفكاراً في ورق و الكثير من الشرائط المسجلة الباقية بلا حبكة.
ان فكرة البحث هي أبسط مباديء الفيلم التسجيلي و البقية تحصل عليها دون سؤال. حينها تصبح لكل الاشياء معان واضحة و يمكنك ان تصور أي شيء يعجبك أو لا يعجبك و في كلا الحالات يتضح مقصدك و استنتاجك. يصبح للأشياء الهامة معنى و الاشياء التافهة معان أخرى. تصبح كل العناصر مقبولة في عملك. كل الاخطاء و كل المحاولات الناجحة و الفاشلة لاصطياد مشهد تتحول مشاهد. عندما تضغط زر التسجيل في الكاميرا فتجد كل ما يمر أمامها فناً فاعلم حينها انك تصنع فيلماً تسجيلياً و كل شيء في سياقه السليم. الجيد مما تقتنصه يزيدك علماً و السيء يكون لديك فكرة لما تريد و يتضح لمن يشاهدك رؤية. و حتى لا نخوض في حديثاً ادبياً غير ملموس فأذكرك بمايكل مور. فسواء أعجبك أو لم يروقك فان افلامه يتوفر بها عنصر البحث و هو ما يغطي على كل عيوب الصناعة. هي ما يجعل الفيلم مثير بغض النظر عن القضية. ذلك الفريق الصغير كان يزج بنفسه فيما يقابله يقتحموا السفارات و المكاتب الرئاسية و حينما يمنعوا من الدخول فيستغل مور الموقف بحاسته الصحفية لصالحه و يسأل الامن المسئول على مرئى و مسمع من الكاميرا عن سبب المنع و سبب الخوف من التصوير في اتهام بمؤامرة فيحصل بذلك على لقطة لفيلمه بدون ان يصور شيء بالفعل. يضيف عنصراً انسانياً تلقائياً و مصدقية للبحث. لست بصدد التكلم هنا عن مايكل مور و اهميته السياسية و الصحفية فأنا لا أهتم بتلك الامور من الاساس. أما ما وجدته مثيراً بحق هو فيلم الشيطان و دانيال جونستون، the devil and Daniel Johnston فهذا فيلم جيد حتى قبلما أعرف انه حصل على جائزة أفضل اخراج في مهرجان Sundance festival .
لماذا تصنع فيلم تسجيلي اذا لم يكن بغرض الفهم و تعلم شيء ما؟ انت فقط تصور ما يثيرك ثم تتسائل اثناء ذلك لماذا يثيرك ما تصوره الان دون غيره... لماذا اخترت دانيال جونستون و ماذا يعجبك في هذا المغني لتصور عنه فيلماً.
دانيال جونستون هو مغني هام في مشهد الموسيقى المستقلة و هو شخص غير مشهور بقوة في الخارج أو الداخل سوى للمهتمين بالموسيقى المستقلة.
لم اكن اعرفه حينما شاهدت الفيلم و لهذا اعتقدت ان المغني المعني قد توفى في أغلب الظن و هو الدافع الكلاسيكي الاوحد لتصنع فيلم عن شخص ما لتبرز كم حماقة الجمهور انهم لم يعرفوه في حياته و انه لم يأخذ حقه. فتصنع منه اسطورة و تنسب لنفسك كل المجد من وراء اكتشافه. و لكن في هذه الحالة فإن دانيال جونستون مازال حياً و يعيش في منزل أبوه و امه في تكساس بعيداً عن كل اهتمام و ليس الفيلم بمثابة شفقة عليه لمرضه النفسي و لا هو عمل انساني يوجه النظر الى مغني لم يأخذ حقه و لكن الفيلم يتكلم عن العبقرية و الفن و الجنون و الصناعة و عن مشهد موسيقي بالكامل بكل ما يصاحبه من مؤثرات.
في رحلة مخرج الفيلم Jeff Feuerzeia عبر حياة دانيال جونستون الحافلة كان الجزء الشيق. بلا ترتيب و بلا نظام محكم و بلا نظريات. السؤال الذي يلح دائماً حول سياق الفيلم التسجيلي هو كيف تحكي قصة شخص و تتجنب خطورتان. خطورة الملل من وجود شخص في كادر ثابت يتكلم لمدة ساعتان عن شخص اخر بلا مشاهد جاذبة بصرياً و عدم اللجوء لمشاهد تمثيلية بقدر الامكان لأنها تفسد احساس الفيلم التسجيلي و تفصل. مساحات بصرية و سمعية هائلة يجب ملئها لجذب المشاهد لمتابعة الرواية. كان مفيداً في هذا الفيلم ما حصل عليه منفذو الفيلم من عدد هائل من الصور الفوتوغرافية و الشرائط التي سجلها بها دانيال جونستون افكاره و كل شرائط الفيديو الخاصة به و بأصدقاءه التي تبرز جزء من حياته و قد افاده أيضاً ولع دانيال جونسون بالرسم و التسجيل و التصوير. فقام المخرج بتجميع كل ذلك بالاضافة الى ما سجله من حوارات ثم بدأ في تجسيد كل كلمة يتفوه بها أي شخص في روايته. و يصور الاماكن التى جرت فيها الاحداث الان حتى اذا تحول المكان بالكامل. مثل أحد المصحات التي كان بها دانيال جونستون فأثناء رواية أحدهم لقصته في هذه المصحة و تشغيل أحد شرائط الكاسيت التي سجلها دانيال أثناء وجوده بالمصحة أخذ المخرج يطوف في المصحة المهجورة حالياً و يلتقط مشاهد من هنا و هناك خالية من أي حياه و مع اضافة تأثير reverb على صوت دانيال فخرج المشهد و كأن شبح دانيال مازال يجول في أرجاء المصحة المهجورة.
لا أريد وصف الفيلم بالكامل و لكني أتكلم عن المعالجات البصرية. فحتى الinterview كانت شيقة، ففي مرة كان يحاور أحد الاشخاص بينما هو عند طبيب أسنان و يتكلم للحظات ثم يعاود لمعالجة اسنانه. و بين كل الشخصيات التي تكلمت في الفيلم عن دانيال جونستون اختار المخرج أن يصور زاوية اخرى بعيدة عن كل من يتهمونه بالجنون و المس و التخلف العقلي. فأجرى حوار مع شخص يلعب جيتار و قادته الصدفة ليسكن بالقرب من مسكن دانيال جونستون في تكساس و فأخذ ذلك الشاب يتكلم عن تلك الحادثة باعتبارها أحد معجزات السماء و هي طفرة لفرقتهم الصغيرة التي أصبحت في أزهى عصورها بوجود دانيال جونستون.
ايضاً في حواره مع منتج دانيال الذي عمل معه لثمان سنوات. كان المنتج في شدة التأثر لأنه قام بكل شيء من أجل دانيال بينما انفصل دانيال عنه دون ابداء أسباب. قرر المخرج حينها أن بعض المشاهد لأحد أفلام وودي ألان حيث كان لذلك الفيلم قصة مشابهة و انتهى المشهد بعد انتهاء المنتج من كلامه و بقيت على الشاشة لثواني صورة من فيلم وودي ألان له و هو في غاية الاحباط.
ماهي العبقرية؟ لماذا دانيال جونستون ؟ ما الذي يميزه عن أي مريض أخر بالوساوس ؟ لماذا يعد عبقرياً ؟ لماذا اعد فان جوخ عبقرياً بعد موته بينما لم يقابل سوى بالهجوم على فنه أثناء حياته؟ لماذا يعد البعض موسيقى دانيال جونستون و رسوماته في غاية العبقرية ؟
لا يطرح الفيلم كل هذه الاسئلة و لا يجيب عنها اذا كنت تنتظر جواب. لهذا أعرف أن هذا الفيلم لن يعجبك و لكني أقول أن الاطار التسجيلي هو مبدأ يقر بأن الابصار هو الجزء المثير و ان الحياه ليست بغرض الخروج باستنتاجات.
Give me a coffin shiny and black
I'm going to a funeral and I'm never coming baaaaaaaaack












